الصفحة الرئيسية » المقالات
نشر بتـاريخ : 2013-11-11 السـاعة : 05:24 PM
حسن الكميت
معلم اليوم بنظرة المجتمع
للكاتب : حسن الكميت
نشر بتـاريخ : 2013-11-11 السـاعة : 05:24 PM

أرسلتني أمي يوماً من الأيام إلى البقالة لشراء بعض مستلزمات البيت. حينها كنت في العاشرة من عمري , وبعد أن حاسبت عامل البقالة, التهيت عنه مع أولاد الحارة ناسيا استرداد الباقي من النقود حتى ناداني قائلا: تعال خذ الباقي يا أستاذ حسن! فقد كانت كلمة أستاذٍ لي كالمخدِّر وأنا في هذا العمر.

حيث أن هذا الموقف مع عامل البقالة قد غيّر مجرى حياتي من طفلٍ لا هم له إلا صيد العصافير واللعب إلى رجلٍ وجد من لقب " أستاذ " ما يُطفئ طفولته ويكبر مع كل خطوةٍ إلى البيت متوشحاً عظَمة المعلم ومحدثاً نفسي عنه بطموح بريء وهو أن أكون أستاذاً ومعلما في المستقبل بإذن الله.

فمضى معي هذا الحلم أرقب مكنونه كلما رأيت معلماً وددت لو كنت مكانه فأسمع مناداة كل طالبٍ لي حتى حصلت على شهادة الثانوية, وفي ذلك الوقت كانت الوظائف صعبةً للغاية, وأعداد البطالة من مخرجات الجامعات في ازدياد, فمن حصل على وظيفة عسكرية في عام العشرين, فكأنما حصل على شهادة دكتوراةٍ لمستقبله ,والجميع من حولي يناشدني بالعسكرية عدا أبي وأمي حفظهما الله.

فمضيت مكابراً لأجل أن أكون معلماً رغم العروض التي قُدِّمت لي, إذ كنت قاب قوسين أو أدنى من الوظيفة لولا قبولي بفضل الله في جامعة القصيم وبتخصصٍ ما كنتُ لهُ راغباً بعد أن فقدت الأمل بعدم قبولي في قسم اللغة العربية على الرغم من جودة نسبتي ,وكان العذر اكتفاء القسم من الطلاب, فذهبت مكرها إلى تخصصٍ قريبٍ منه ,وقد وجدت ذلك في قسم التاريخ ,ولأنه منبوذٌ في سوق العمل ,وتكدس الخريجين منه, إلاّ أني غير مهتمٍ فيما قيل عنه,والرزق على الله ما دامه سيبلغني المراد, ومضت الأعوام الأربعة بالعزيمة ,والإصرار حتى أتت لحظة توجيهي معلماً مطبقاً في مدرسةٍ ابتدائية ,وشعور الفرحة لا يوصف, إذ كنت أعد الدقائق والثواني ليوم التطبيق ,وقد جاء بفضل الله.

وعند استلامي الجدول المكوَّن من أربع حصص, طلبت من مدير المدرسة أن يضع لي النصاب كاملا في هذا اليوم ما جعله في غاية الدهشة, ولعدم تمكينه الطلب,أهداني انتظارات المعلمين كلها ,وجاءت لحظة الدخول إلى أول حصة, وبهندامٍ جديد أشبه بهندام يوم العيد ,وفي أثناء الشرح رفع طالب يده وقال لي: يا أستاذ..حينها لم أشعر بسعادةٍ تشبه سعادتي بعد سماعي هذه المناداة, ومع مرور الأيام ,وبعد تخرجي من الجامعة ,توجهت إلى الدمام, فوفقني الله سبحانه وتعالى بعد أسبوعٍ من استلامي وثيقة التخرج ,وتوظفت مباشرة في مدرسةٍ أهلية ,وبعد سنتين بالكثير ,وفقني الله ,ودخلت في السلك الحكومي ,ولكن للأسف ,وإن كنت كابن شداد, وعنترياته في الحزم والشدة مع الطلاب ,إلا أنه قد فاتني قطار هيبة المعلم ,والذي أصبح اليوم ,ومع أعظم الألقاب, ليس كمعلم الأمس الذي ينظر له المجتمع في السابق كالملك المهاب بعد أن أسرَفت به بنود وزارته وتعاميمها اليومية ,فكانت له كالمنشار الذي يقطع مكانته الاجتماعية من الوريد إلى الوريد, فلا حقوق تنصفه ولا دروع تحميه من طلقات الشامتين, وقد بان ذلك واتضح فيما نقرأه يوميا بوسائل التواصل الاجتماعي من حوادث وجرائم وصلت بالمعلم إلى درجة القتل ,ولا نعلم هل تعيش وزارتنا في برجٍ عاجي لا تعلم عن معاناة منسوبيها فنعذرها عدم إصلاح الأخطاء المرتكبة بحق المعلم أم أن المعلم وحده من يخطئ فيعاقب أشد العقوبات إما بتنزيله من منصبه أو الفصل.

ألاَ تعلم وزارتنا الجميلة: أن كل تهديدٍ وقرارٍ يأتي ضد المعلم سرعان ما يتناقله الطلاب شامتين به غير آهبين بكرامته وقدره حتى نرى طالب اليوم يستقبح رسالته والذي إن سألته هل تطمح أن تكون معلما لأجاب بــ" لا " رافضا هذا الطموح بعد قتل الكثير من حقوقه ولا يسعنا إلا أن نقول: عظم الله أجر التعليم ,وليتنا نقف إلى هذا الحد فلم تفكِّر وزارة التربية والتعليم إلى الآن انتشال جثة كرامة المعلمين أو إصدار ميزاتٍ تحفظ لهم ماء الوجه بل يزيد تجاهلها عنهم لأن ما يشغلها حالياً هو أكبر من المعلم ونعذر ثم نقدِّر لها انشغالها!!

ما يريده المعلم في حقيقة الأمر, ليس الجبروت ,أو استخدام العنف أمام الطلاب المخطئين, بل قراراً صارماً يوقف حملاتهم وهجماتهم عليه, فقرار الفصل المؤقت للطالب لن يجدي بشيء, بل يزيد الطين بلة, وهذا ليس ضعفاً منه في عدم السيطرة على بعض التصرفات السلبية, فبمجرد أن يستخدم المعلم ما تمليه عليه بعض العقوبات للطالب كالحسم مثلا من درجات السلوك ,أو المادة العلمية, نرى ردة الفعل مباشرةً في سيارته هذا إن عاد إلى بيته سالما, أؤمن أن الوقاية خير من العلاج وعلاج استرجاع مكانة المعلم ليس بيد الوزارة بعد تقييده, ولن يسعفه بعد كل هذا إلا مديرا ناجحا يهتم في شأنه, حيث أن هذا الاهتمام لا يعني عدم مساءلته عند أي تقصير, بل هو اهتمام عاطفي يراعي مكانته الاجتماعية, وذلك بزرع الحماس في داخله بالثناء ,والتشجيع ,وتلبية ما يحتاجه في رسالته التعليمية ,ومكافأته وتكريمه بعد كل مناسبة ,وهذا كله رأيته بأمِّ عيني في مدير مدرسة أبي هريرة الأستاذ : علي عبد الله الشهري, ووكلائه الحاليين الأستاذ محمد الفيفي ,والأستاذ: عادل كريري والذين جعلوا المدرسة بفضل الله أولاً ,ثم بفضل مديرهم المحنّك ,من أميز المدارس ليس على مستوى محافظة شرورة فحسب ,بل على مستوى منطقة نجران ,والسبب المهم لهذا التميز يرجع لتآلف المعلمين ,ومحبتهم لبعضهم ثم احتوائهم من قِبل مديرهم حتى أصبح مساء الأربعاء لهم لا يشبهه أي مساء وكأنه دوامٌ رسميٌ في ملتقاهم, يُكَرَّمُ حاضره ,ويُعاتبُ تاركه, فكان هذا العمل الكبير من مديرهم ,كوصفة علاجٍ لمكانة المعلم في المجتمع يُنصح بارتشافها جميع مدراء المدارس إذا أرادوا النجاح في العملية التعليمية,وأن بأمثال هذا المدير ما زال التعليم بخير وإدارته ليست كأي إدارة لأني أعرفها كما أعرف أمي والسلام.

التــعليــقــات (4)
1 ابو عبد الحليم
2013-11-11 - 07:11 PM
التحية لك الاستاذ الكريم حسن علي هذا المقال الرائع ونرسل
عبرك تحية احترام وتقدير لكل المعلمين والاساتذة علي امتداد
الوطن العربي هؤلاء الاساتذة الذين يحملون علي عاتقهم امانة
ومسئولية كبيرة نعم امانة لان تربية وتعليم الاجيال هي كذلك
وهي رسالة عظيمة واجر لمن اتقي الله فيها (اي رسالة التعليم
)واخلص النية وراقب الله سبحانه وتعالي في اداء عمله فان
الاجيال لاتنسي له اخلاصه في اداء رسالته كمعلم ومربي
ويدخل في حديث (او علم ينتفع به ) وللمعلم مكانة كبيرة في
المجتمع وان لم تكن كالسابق لكن لاتزال تلك المكانة موجودة
في قلوب الكثيرين ممن يقدرون العلم ويعرفون مكانة المعلم
ومدي التضحية التي يقدمها في سبيل تعليم الاجيال .وما اجمل
قول الشاعر احمد شوقي :
قُـــــــــــم لِـــلــمُــعَــلِّــمِ وَفِّـــــــــــهِ الــتَــبــجــيــلا
كــــــــادَ الــمُــعَــلِّــمُ أَن يَــــكــــونَ رَســـــــولا
أَعَـلِـمـتَ أَشـــرَفَ أَو أَجَـــلَّ مِــنَ الَّــذي
يَـــبـــنـــي وَيُـــنـــشِـــئُ أَنـــفُـــســـاً وَعُـــــقــــولا
سُـــبــحــانَــكَ الـــلَـــهُـــمَّ خَـــــيــــرَ مُـــعَـــلِّـــمٍ
عَـــلَّــمــتَ بِــالــقَــلَـمِ الــــقُـــرونَ الأولـــــــى
أَخــرَجــتَ هَــــذا الــعَـقـلَ مِــــن ظُـلُـمـاتِـه
1
0
2 بو عدنان النهدي
2013-11-19 - 04:11 PM
4360 ابو عدنان النهدي 01-11-1435 03:07

نعم في هذا الزمن لم يعد المعلم معلما ولا الطالب طالبا حيث ذهبت هيبت المعلم لدا الطلاب واحترامه يقول الطلاب المدرسين الان همهم انتظار الراتب والاجازات الاسبوعيه واجازة المناسبات لم يعد ذالك الاخلاص بتلقين العلم للطلاب بل عند دخول المدرس للفصل يشرح شيا قليلا وينهمك بالمراسلات في الواتساب وغيره واثناء الاختبارات المراقبيين لاينضرون سوي لاجهزتهم والاولاد ينقلون المعلومات بعضهم بعضا مما دفع الطلاب بعدم احترام المعلمين ايضا المدرس لايحرك ساكنا خوفا من ان يعمد بعض الطلاب بالحاق الاذاء بسيارات المعلمين يجب اعادة النضر فس سلوكيات الطالب والمعلم لبناء جيل يحب العلم ويحترم معلميه كان في الماضي الامكانيات اقل والطموح كبير كان الطلاب يدخلون الفصول وكان علي رؤسهم الطير واذان تستمع وعيون مفتوحه وقلب متشوق للعلم فهل تعود ونطلب العلم بشغف
1
0
3 الكربــــــي
2013-11-22 - 01:11 PM
اشكرك يا استاذ حسن على. هذا المقال
وايشهد الله انك من المميزين.
وانا من المعجبين جدا لشخصيتك وهيبتك. داخل المدرسة
وان شاء الله ان. اطبق عندكم في المدرسة
تقبل مروري يا استاذ ي المبدع والمتميز
1
0
4 الكربــــي
2013-11-23 - 08:11 PM
بيض الله وجهك ياستاذ حسن
انشهد انك كفو وقد المهنة
وانا من المعجبين لشخصيتك
وان شاء الله ان اكون زميل لك
في التطبيقي بعد سنه ونص
والى الامام ان شاء الله
( للمعلومية هذا ثاني تعليق ارسلة ولكن لم يطلع )
1
0
أضف تعليقك علي الخبر ..
الإسـم
يجب ادخال الاسم
البريد الإلكتروني
البريد الإلكتروني مطلوب
البريد المدخل خاطئ
نص التعليق
تبقى لديك ()
ادخل نص التعليق
جاري ارسال التعليق ..
تم ارسال تعليقك بنجـاح وسوف يظهر تعليقك بعد نشره

عدد المشاهدات :
9492
عدد التعـــليقات :
4
عدد الارسـالات :
0
0
0